يمكن للتوقيع الإلكتروني أن ينتج مفاعيل قانونية في لبنان، لكن ذلك لا يعني أن كل نقرة أو اسم مكتوب أو صورة ممسوحة عن توقيع خطي تتمتع تلقائياً بالقوة الثبوتية ذاتها.
وضع القانون رقم 81 تاريخ 10 تشرين الأول 2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي الإطار الأساسي للكتابة والسند والتوقيع الإلكتروني. وترتبط فعالية هذا الإطار بإمكان تحديد هوية صاحب التوقيع، وسلامة السند، وطريقة حفظه، وموثوقية الآلية المستعملة.
الشكل الإلكتروني لا يبطل التوقيع بذاته
أعطت المادة 4 من القانون رقم 81/2018 للكتابة والتوقيع الإلكترونيين المفاعيل القانونية التي تتمتع بها الكتابة والتوقيع على الورق أو على دعامة أخرى، شرط إمكان تحديد الشخص الصادر عنه السند وتنظيمه وحفظه بطريقة تضمن سلامته.
كما تقبل المادة 7 السند الإلكتروني في الإثبات وتمنحه مرتبة السند الخطي وقوته الثبوتية عند استيفاء شروط النسبة والسلامة. لذلك لا يجوز رفض معاملة لمجرد أنها إلكترونية، كما لا يصح اعتبار أي أثر رقمي دليلاً كاملاً من دون التحقق من شروطه.
ما الذي يمكن أن يشكل توقيعاً إلكترونياً؟
قد يتم التوقيع من خلال خدمة مصادقة، أو تقنية تشفير، أو منصة تعاقد، أو إجراء إلكتروني آخر يهدف إلى تعريف الموقّع وإظهار رضاه. أما صورة التوقيع الخطي، أو الاسم المكتوب في رسالة إلكترونية، أو الموافقة بواسطة مربع إلكتروني، فقد تشكل دليلاً بحسب ظروف المعاملة، لكنها لا تتمتع بالضرورة بالقوة نفسها.
عند النزاع، قد تُفحص سجلات الدخول، ووسيلة التحقق من الهوية، وعناوين البريد، والتوقيت، وسجل المنصة، ورسائل التأكيد، وتسلسل المراسلات، وسلوك الأطراف بعد التوقيع.
المصادقة تؤثر في القوة الثبوتية
تشترط المادة 9 أن يصدر التوقيع الإلكتروني بواسطة وسيلة آمنة تُعرّف عن الموقّع وتضمن علاقته بالعمل القانوني. وعندما يقترن التوقيع بإجراءات حماية مصادق عليها من مقدم خدمات معتمد، يستفيد من قرينة الموثوقية إلى أن يثبت العكس.
وتفرّق المادتان 17 و18 بين الإجراءات المقدمة من مزود معتمد وتلك المقدمة من مزود غير معتمد. في الحالة الثانية لا يصبح التوقيع عديم القيمة، لكن تقدير قوته الثبوتية يعود إلى القاضي، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك.
صحة المعاملة وقوة الدليل مسألتان مختلفتان
قد يتعلق النزاع بوجود العقد، أو هوية الموقّع، أو النسخة التي وافق عليها، أو سلامة الملف من التعديل، أو صلاحية الشخص لإلزام الشركة. ولهذا قد تكون العلاقة التعاقدية قائمة لكن إثبات شروطها ضعيفاً، وقد يكون التوقيع تقنياً موثوقاً من دون أن يصحح عيباً في الأهلية أو الصلاحية أو مشروعية محل العقد.
كيف يتعامل القضاء مع الإنكار أو ادعاء التزوير؟
تجيز المادة 12 للقاضي، عند إنكار سند أو توقيع إلكتروني أو الادعاء بتزويره، التحقق من ظروف تنظيمه وحفظه وآلية تحديد صاحبه. وله أن يطلب من الأطراف تقديم الآثار الإلكترونية وأن يستعين بخبير فني.
من هنا تبرز أهمية الاحتفاظ بالملف الأصلي، وسجل العمليات، وشهادة المصادقة، والتوقيت، وتاريخ الدخول، والرسائل المرتبطة بالمعاملة. قد تفيد صورة الشاشة، لكنها لا تكشف دائماً التاريخ التقني الكامل ولا تكفي وحدها في نزاع جدي حول الأصالة.
السند العادي الإلكتروني ليس السند الرسمي الإلكتروني
ميّز القانون بين الأسناد العادية والأسناد الرسمية الإلكترونية. وقد اشترطت المادة 8 صدور مرسوم يحدد إجراءات الأسناد الرسمية الإلكترونية وضماناتها ونطاقها.
صدر المرسوم رقم 14115 تاريخ 18 تشرين الأول 2024 تطبيقاً للمادة 8، ثم صدر المرسوم رقم 14555 تاريخ 7 كانون الثاني 2025 لتصحيح خطأ مادي وإضافة اللائحة المشار إليها في المادة السادسة من المرسوم الأول. ولا يلغي هذا التنظيم ضرورة التحقق مما إذا كانت المعاملة المعنية تتطلب شكلاً خاصاً أو توثيقاً أو تسجيلاً أو تدخل سلطة عامة.
ضمانات عملية للشركات والأفراد
يجب اختيار وسيلة التوقيع بما يتناسب مع قيمة المعاملة وخطورتها. ويُستحسن التحقق من هوية الموقّع، واعتماد وسيلة تحقق مناسبة، وتثبيت النسخة النهائية من المستند، وتسجيل وقت التوقيع، وحفظ سجل كامل للعملية، ومنع التعديل اللاحق، وإبقاء السند متاحاً للاطلاع واستخراج النسخ.
وفي معاملات الشركات، لا يكفي إثبات هوية الشخص. يجب أيضاً إثبات صلاحيته في إلزام الشركة، وقد يستلزم ذلك قراراً أو وكالة أو مستنداً يحدد حدود التفويض.
التوقيع العابر للحدود
إذا كانت منصة التوقيع أو جهة المصادقة أو أحد الأطراف موجوداً في الخارج، فقد يثور البحث في القانون الواجب التطبيق، والاعتراف بالمصادقة الأجنبية، والاختصاص القضائي، وحفظ الأدلة لدى مزود أجنبي، وتنفيذ الحكم. لذلك لا تكفي شهرة المنصة أو استخدامها عالمياً لضمان النتيجة القانونية نفسها في كل دولة.
الخلاصة
يعترف القانون اللبناني بالتوقيع والسند الإلكترونيين، لكن قيمتهما لا تنفصل عن الإثبات. وتقوم العملية الأكثر أماناً على رضا واضح، ونسبة موثوقة، وسلامة المستند، وحفظ منظم، ووسيلة توقيع تتناسب مع مخاطر المعاملة.
يتناول هذا المقال مبادئ قانونية عامة، ولا يشكل استشارة بشأن مستند أو معاملة أو نزاع محدد.
