لم تعد التجارة الإلكترونية في لبنان نشاطاً ثانوياً أو مجرد وسيلة حديثة لتسويق المنتجات. فقد أصبحت جزءاً من الحياة الاقتصادية اليومية، سواء من خلال المواقع والمتاجر الإلكترونية، أو التطبيقات، أو الصفحات التجارية على وسائل التواصل الاجتماعي. غير أن سهولة إنشاء متجر إلكتروني لا تعني أن ممارسة هذا النشاط تتم خارج نطاق القانون.

فمن يعرض سلعة أو خدمة عبر الإنترنت يدخل، منذ اللحظة التي يتلقى فيها طلباً أو دفعة مالية، في علاقة قانونية قد تترتب عليها موجبات تعاقدية ومسؤوليات مدنية، وربما جزائية في بعض الحالات. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تكون عملية الدفع إلكترونية، أو عندما تُجمع بيانات العملاء، أو عندما يكون أحد أطراف المعاملة موجوداً خارج لبنان.

يشكّل القانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي الإطار التشريعي الأساسي في هذا المجال. لكنه لا يشكّل نظاماً قانونياً مستقلاً عن سائر التشريعات، إذ تبقى أحكام قانون الموجبات والعقود وقانون التجارة وقانون حماية المستهلك وقانون أصول المحاكمات المدنية واجبة التطبيق كلما لم يرد نص خاص، أو كلما اقتضت طبيعة النزاع الرجوع إليها.

هوية صاحب المتجر ليست مسألة شكلية

من أبرز الأخطاء التي تقع فيها بعض المتاجر الإلكترونية الاكتفاء باسم تجاري أو بصورة على إحدى منصات التواصل، من دون الكشف بوضوح عن هوية الشخص أو المؤسسة التي تدير النشاط.

أوجب القانون على من يمارس التجارة الإلكترونية أن يضع في متناول المتعاملين معلومات تسمح بالتعرف إليه والتواصل معه. وتشمل هذه المعلومات، بحسب طبيعة النشاط، الاسم، والصفة القانونية، والمركز أو العنوان التجاري، والبريد الإلكتروني، ورقم الهاتف، ورقم التسجيل في السجل التجاري، وبيانات التسجيل لدى الدائرة الضريبية المختصة. كما يجب بيان الثمن بصورة تفصيلية، بحيث يعرف العميل القيمة الفعلية التي سيدفعها، بما فيها الضرائب والرسوم ونفقات التوصيل وأي مصاريف إضافية.

وتكتسب هذه البيانات أهمية عملية عند حصول خلاف بشأن التسليم أو الدفع أو جودة المنتج. فالعميل لا يستطيع ممارسة حقوقه بصورة جدية إذا كان لا يعرف هوية الشخص الذي تعاقد معه أو المكان الذي يمكن مراجعته فيه. كما أن إخفاء الهوية أو عرض بيانات ناقصة قد يضعف موقف صاحب المتجر نفسه، ولا سيما عندما يريد إثبات صحة العقد أو المطالبة بثمن غير مسدد.

شروط البيع يجب أن تسبق الموافقة

العقد الإلكتروني لا يفقد طبيعته العقدية لمجرد إبرامه عن بُعد. فالرضا يجب أن يكون واضحاً، وأن ينصب على شروط يستطيع المتعاقد الاطلاع عليها قبل إعطاء موافقته النهائية.

لهذا السبب، لا يكفي وضع عبارة مقتضبة تفيد بأن الشراء يخضع لشروط المتجر. المطلوب أن تكون هذه الشروط متاحة بصورة واضحة، وأن يتمكن العميل من قراءتها وحفظها والرجوع إليها. ويفترض أن تتناول طريقة إتمام الطلب، وسياسة الدفع، وموعد التسليم، وحالات الإلغاء والاستبدال، والضمانات المتعلقة بالمنتج أو الخدمة، وآلية تقديم الشكاوى، والقواعد المعتمدة في حال حصول نزاع.

ولا يجوز نسخ شروط جاهزة من موقع أجنبي من دون تكييفها مع القانون اللبناني وطبيعة النشاط. فكثير من هذه النماذج يتضمن أحكاماً مستمدة من تشريعات أجنبية، أو يشير إلى جهات قضائية وقواعد لا علاقة لها بالمعاملة التي تتم في لبنان.

مراجعة الطلب قبل إتمامه

ألزم القانون مقدم العرض الإلكتروني بأن يوضح المراحل التي يمر بها التعاقد، وأن يتيح للعميل التحقق من المعلومات التي أدخلها وتصحيح الأخطاء قبل الموافقة النهائية. يجب، لذلك، أن يتمكن العميل من مراجعة نوع المنتج أو الخدمة، والكمية، والسعر، ونفقات التوصيل، وعنوان التسليم، وطريقة الدفع والمبلغ الإجمالي قبل الضغط على زر التأكيد.

قد يبدو هذا الإجراء تقنياً، لكنه يؤدي وظيفة قانونية مهمة. فعند وقوع نزاع حول الكمية المطلوبة أو السعر أو عنوان التسليم، يصبح سجل الطلب والمرحلة التي سبقت تأكيده جزءاً أساسياً من الأدلة التي يمكن الاستناد إليها. وكلما كانت إجراءات الموقع واضحة ومحفوظة بطريقة سليمة، تراجعت احتمالات الإنكار أو الادعاء بأن الطلب تم بطريق الخطأ.

متى يُعتبر العقد الإلكتروني منعقداً؟

تثير العقود الإلكترونية إشكالية دقيقة تتعلق باللحظة التي يصبح فيها القبول نهائياً ومنتجاً لآثاره. وقد عالج القانون هذه المسألة من خلال إلزام مقدم العرض بإبلاغ الطرف الآخر بوصول القبول خلال مهلة معقولة أو خلال المهلة المحددة في العرض.

عملياً، ينبغي أن يتلقى العميل بعد إتمام الطلب رسالة واضحة تتضمن رقمه وتاريخه، والمنتجات أو الخدمات المطلوبة، والقيمة المدفوعة، وطريقة التسليم، والشروط التي وافق عليها. ولا تُعد رسالة التأكيد مجرد إجراء لتحسين خدمة العملاء، بل قد تشكل دليلاً على حصول التعاقد وعلى مضمون الالتزامات التي ارتضاها الطرفان.

ومن المفيد التمييز بين الرسالة التي تؤكد استلام الطلب، والرسالة التي تؤكد قبول المتجر لهذا الطلب عندما تكون الموافقة خاضعة لتوافر المنتج أو للتحقق من الدفع. فعدم التمييز بين المرحلتين قد يثير خلافاً حول ما إذا كان العقد قد انعقد فعلاً، أو ما إذا كان ما صدر عن المتجر لا يزال في نطاق العرض الأولي.

الاحتفاظ بالسجلات والأدلة الإلكترونية

اعترف القانون اللبناني للكتابة والسند الإلكترونيين بقيمة قانونية، شرط إمكان تحديد الشخص الصادر عنه السند، وأن يجري تنظيمه وحفظه بطريقة تضمن سلامة مضمونه. بناءً عليه، ينبغي الاحتفاظ بالطلبات الإلكترونية، ورسائل التأكيد، وسجلات الدفع، والمراسلات مع العملاء، وبيانات التسليم، والنسخة التي كانت نافذة من شروط البيع عند إجراء كل معاملة.

ولا يكفي الاحتفاظ بصورة للشاشة إذا كان من السهل تعديلها أو إذا تعذر إثبات تاريخ إنشائها ومصدرها. فالقوة الثبوتية للدليل الإلكتروني لا تتوقف على مضمونه وحده، بل تتأثر أيضاً بالطريقة التي أُنشئ بها وحُفظ، وبمدى إمكان إثبات عدم التلاعب به.

وقد أجاز القانون للقاضي الاستعانة بالخبرة الفنية وطلب الآثار الإلكترونية الموجودة لدى الأطراف للتحقق من موثوقية السند أو التوقيع. لذلك ينبغي تنظيم حفظ الأدلة منذ بدء النشاط، لا بعد نشوء النزاع.

بيانات العملاء ليست ملكاً مطلقاً للمتجر

يجمع المتجر الإلكتروني عادة أسماء العملاء وأرقام هواتفهم وعناوينهم وبيانات تتعلق بعمليات الشراء والدفع. وهذه المعلومات قد تشكل بيانات ذات طابع شخصي تخضع للحماية القانونية.

لا يعني حصول المتجر على هذه البيانات أنه أصبح حراً في استعمالها لأي غرض. يجب أن يكون جمعها مرتبطاً بهدف مشروع ومحدد، وأن يقتصر استعمالها على القدر اللازم لتنفيذ المعاملة أو الغاية التي جرى إعلام الشخص بها.

ومن الضروري أن يتضمن الموقع سياسة خصوصية واضحة تشرح طبيعة البيانات التي يجري جمعها، والغاية من جمعها، ومدة الاحتفاظ بها، والجهات التي يمكن أن تتلقى هذه البيانات، والتدابير المتخذة لحمايتها. كما ينبغي التنبه إلى الخدمات التقنية الخارجية التي يعتمد عليها الموقع. فقد تنتقل بيانات العملاء إلى شركات استضافة أو منصات دفع أو خدمات تسويق موجودة خارج لبنان، وهو ما قد يضفي على المعالجة طابعاً عابراً للحدود ويستوجب تقييماً قانونياً إضافياً.

التسويق الإلكتروني لا يبرر الرسائل العشوائية

ألزم القانون بأن يكون الإعلان الإلكتروني قابلاً للتمييز بوصفه إعلاناً، وأن تظهر هوية الجهة التي يتم الإعلان لمصلحتها. كما وضع قيوداً على الرسائل التسويقية غير المطلوبة، وأوجب تمكين المتلقي من وقفها من دون تكبده مصاريف.

إن شراء لوائح أرقام أو عناوين بريدية ثم إرسال إعلانات جماعية إليها ليس ممارسة مأمونة قانوناً، حتى لو كانت شائعة. كما أن وجود معاملة سابقة مع أحد العملاء لا يبرر استعمال بياناته بصورة مفتوحة أو إغراقه بالرسائل. ومن الأفضل أن تُحفظ موافقة العميل على تلقي الرسائل التسويقية بصورة يمكن إثباتها، وأن تتضمن كل رسالة وسيلة واضحة وسهلة لطلب وقف التواصل.

عندما تتجاوز المعاملة حدود لبنان

تزداد المسألة دقة عندما يكون الموقع موجهاً إلى عملاء في أكثر من دولة، أو عندما يكون مزود الدفع أو شركة الاستضافة أو أحد أطراف العقد موجوداً في الخارج.

عند حصول نزاع، لا يكفي تحديد مكان تسجيل الموقع. فقد يصبح من الضروري البحث في المحكمة المختصة دولياً، والقانون الواجب التطبيق، ومكان تنفيذ العقد، ومكان وقوع الضرر، ومحل إقامة المدعى عليه، والدولة التي توجد فيها أمواله ويمكن تنفيذ الحكم فيها.

ولا يحسم إدراج شرط يختار قانوناً أو محكمة أجنبية هذه المسائل في جميع الحالات. فقد تتدخل قواعد إلزامية، ولا سيما في عقود المستهلك، وقد ترفض المحكمة الأخذ بشرط يؤدي عملياً إلى حرمان الطرف الأضعف من الحماية المقررة له. لهذا السبب، يجب صياغة شروط الاختصاص والقانون الواجب التطبيق على أساس الأسواق التي يستهدفها النشاط، وطبيعة العملاء، ومكان تنفيذ الالتزامات، وإمكان تنفيذ الأحكام عند حصول نزاع.

الامتثال القانوني يبدأ قبل إطلاق الموقع

إن إعداد الشروط القانونية وسياسة الخصوصية وتنظيم الموافقات وحفظ السجلات ليست إجراءات تجميلية تُضاف إلى الموقع بعد إطلاقه. إنها جزء من بنيته القانونية ومن الطريقة التي يمارس بها النشاط.

وقد تكون كلفة المراجعة القانونية المسبقة محدودة مقارنة بما قد ينتج عن عقد غامض، أو تسريب بيانات، أو نزاع مع مستهلك، أو دليل إلكتروني يتعذر إثبات صحته أمام القضاء. لا يمنع الامتثال وقوع جميع النزاعات، لكنه يحد منها، ويجعل حقوق الأطراف أكثر وضوحاً، ويمنح صاحب النشاط موقعاً قانونياً أفضل عندما يصبح اللجوء إلى القضاء أمراً لا مفر منه.

المحامي د. داني جعجعقانون الإنترنت والتجارة الإلكترونية