لم يعد الفيديو المقنع دليلاً بذاته على وقوع الحدث. يستطيع الذكاء الاصطناعي تركيب وجه شخص واستنساخ صوته ونسب تصرف إليه لم يحصل. وقد يكون الضرر معنوياً أو مالياً أو مهنياً أو سياسياً أو شديد المساس بالحياة الخاصة.

لا تتحدد قضية التزييف العميق بالتقنية وحدها. يتوقف التحليل القانوني على المضمون والنية وطريقة الحصول على المواد الأصلية والجمهور والضرر وهوية المشاركين والدول المرتبطة بالإنشاء والنشر والتخزين والنتيجة.

لبنان لا يبدأ من فراغ قانوني

لا يوجد بعد قانون نافذ شامل ينظم كل أشكال الـDeepfake، لكن ذلك لا يجعل الفبركة الضارة مباحة. فقد تنطبق، بحسب الوقائع، قواعد الخصوصية والبيانات الشخصية والقدح والذم والاحتيال والابتزاز وانتحال الصفة والدخول غير المشروع والجرائم المعلوماتية والمسؤولية المدنية.

طُرح في سنة 2026 اقتراح يرمي إلى تجريم إنشاء أو تعديل أو استعمال صور وفيديوهات حميمة أو مخلة بالحياء مولّدة أو معدّلة بالذكاء الاصطناعي من دون موافقة الشخص المعني. يعكس الاقتراح خطورة الاعتداء، لكنه لا يجوز عرضه كأنه قانون شامل نافذ. وإلى حين استكمال الإصلاح التشريعي، يبقى التكييف الدقيق وفق القوانين المرعية أساسياً.

قد ينشئ المحتوى الواحد صوراً متعددة من المسؤولية

يختلف الفيديو المنشور بقصد تشويه السمعة عن الصوت المستنسخ للحصول على تحويل مصرفي. ولا تعادل الصورة الحميمة المصطنعة من دون موافقة عملاً ساخراً معلناً. كما يثير استعمال تسجيل مفبرك أمام القضاء مسائل إضافية تتعلق بالتزوير وصحة الإثبات وضمانات المحاكمة.

وقد تمتد المسؤولية، وفق الأدلة، إلى من طلب صناعة المحتوى أو وزّعه عالماً بحقيقته أو استعمله للتهديد أو استفاد من الخداع أو أعاد نشره بعد علمه بالتزييف. لكن يجب إثبات دور كل مشارك على حدة، ولا تُفترض المسؤولية لمجرد مرور المحتوى عبر حساب أو منصة.

الهدف الأول للمتضرر هو وقف الانتشار

بعد انتشار المحتوى المصطنع، قد لا يصلح التعويض اللاحق الضرر بالكامل. وقد تتضمن الاستراتيجية العاجلة حفظ النشر الأصلي وإبلاغ المنصات وطلب الإزالة أو التقييد وتحديد الحسابات واللجوء إلى التدابير القضائية عند توافر شروطها.

يجب ألا تؤدي الإزالة إلى محو الدليل قبل حفظه. فالضحية تحتاج إلى إثبات المصدر والانتشار والتوقيت والضرر. والترتيب العملي الصحيح هو: الحفظ، ثم التوثيق، فتأمين الحساب، ثم الإبلاغ وطلب الإزالة واتخاذ الإجراءات.

كيف يُحفظ دليل التزييف العميق؟

  • تسجيل الرابط الكامل واسم الحساب والتاريخ والوقت والتعليق والتفاعلات الظاهرة.
  • حفظ الملف الأصلي متى أمكن بصورة مشروعة، لا الاكتفاء بصورة مقصوصة للشاشة.
  • حفظ الرسائل التي تتضمن تهديداً أو طلب مال أو تعليمات أو إقراراً.
  • الاحتفاظ بالصور والتسجيلات الأصلية التي يُحتمل استعمالها مادةً للفبركة.
  • طلب فحص تقني متخصص قبل أن يزيل الضغط أو التحويل أو التعديل معلومات مفيدة.

قد تساعد برامج الكشف، لكن لا ينبغي اعتبار نتيجة آلية واحدة حاسمة. يجب ربط التحليل التقني بالمصدر والسياق والشهود وسجلات الحساب وسلسلة حيازة الدليل.

المنصات أساسية لكنها غالباً خارج لبنان

قد يُنشأ المحتوى في دولة ويُرفع على منصة في دولة أخرى ويُخزّن في مواقع متعددة ويتركز ضرره في لبنان. يطرح ذلك مسائل الاختصاص الدولي والقانون الواجب التطبيق والكشف والتبليغ والحفظ والتنفيذ.

يوفر نظام الإبلاغ لدى المنصة خطوة أولى سريعة، لكنه لا يحل مكان التحليل القانوني. فقد يلزم تحديد مكان الضرر الرئيسي والمحكمة التي يمكن مراجعتها وكيفية الحصول على معلومات الحساب ومكان تنفيذ القرار.

الشفافية تتحول إلى موجب تنظيمي في الخارج

يعطي قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي اتجاهاً مقارناً مهماً. تلزم المادة 50 من يستعمل نظاماً يولد أو يعدل صورة أو صوتاً أو فيديو يشكّل تزييفاً عميقاً بأن يكشف أن المحتوى مولّد أو معدل اصطناعياً، مع استثناءات محددة ومعاملة متناسبة للأعمال الفنية أو الساخرة أو الخيالية الظاهرة.

لا تنطبق القاعدة الأوروبية تلقائياً على كل نشر لبناني، لكنها قد تصبح ذات صلة عندما يدخل مقدم الخدمة أو مستعمل النظام أو السوق المستهدف في نطاق النظام الأوروبي. وهي تكرّس اتجاهاً واضحاً: لا ينبغي للمحتوى المصطنع الواقعي أن يتنكر بصمت في هيئة حقيقة.

على المؤسسات اعتماد بروتوكول لمواجهة التزييف

قد يستهدف استنساخ الصوت وانتحال المديرين أقسام المحاسبة والموظفين والعملاء. يجب عدم الاعتماد على الصوت أو الفيديو وحدهما لتنفيذ تحويل عاجل أو تغيير حساب مصرفي أو كشف معلومة سرية. ويشكّل التحقق المستقل والموافقة المزدوجة وحفظ أدلة الحادث ضمانات قانونية وأمنية معاً.

يجب التمييز بين الضرر والتعبير المشروع

لا يجوز مساواة السخرية المعلنة والعمل الفني والبحث العلمي بالانتحال الخبيث. ينبغي أن يراعي القانون الخداع والإفصاح والموافقة والغاية وإمكانية توقع الضرر وحقوق المتأثرين، بما يحمي السمعة والخصوصية والأمن من دون إنشاء أداة غامضة لقمع التعبير المشروع.

مواد ذات صلةالسلامة الرقمية والهاتف كدليل ←حماية البيانات والخصوصية ←مجال الأدلة الرقمية وقانون الذكاء الاصطناعي ←
داني جعجعمحامٍ بالاستئناف · الذكاء الاصطناعي والأدلة الرقمية والنزاعات التكنولوجية العابرة للحدود